ابن أبي الحديد
115
شرح نهج البلاغة
لكني لا أرضى إلا بغلبة الحجة ، ودفع الشبهة ، وإن أنقص الملوك عقلا ، وأسخفهم رأيا ، ، من رضى بقولهم : صدق الأمير . وأثنى رجل على رجل ، فقال : الحمد لله الذي سترني عنك وكان بعض الصالحين يقول إذا أطراه انسان ليسألك الله عن حسن ظنك . ومنها قوله : " وإياك والمن " ، قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ( 2 ) . وكان يقال : المن محبة للنفس ، مفسده للصنع . ومنها نهيه إياه عن التزيد في فعله ، قال عليه السلام : إنه يذهب بنور الحق ، وذلك لأنه محض الكذب ، مثل أن يسدي ثلاثة أجزاء من الجميل فيدعى في المجالس والمحافل أنه أسدى عشرة ، وإذا خالط الحق الكذب أذهب نوره . ومنها نهيه إياه عن خلف الوعد ، قد مدح الله نبيا من الأنبياء وهو إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام بصدق الوعد . وكان يقال وعد الكريم نقد وتعجيل ، ووعد اللئيم مطل وتعطيل ، وكتب بعض الكتاب : وحق لمن أزهر بقول ، أن يثمر بفعل . وقال أبو مقاتل الضرير : قلت لأعرابي : قد أكثر الناس في المواعيد ، فما قولك فيها ؟ فقال : بئس الشئ ! الوعد مشغلة للقلب الفارغ ، متعبة للبدن الخافض ، خيره غائب ، وشره حاضر . وفى الحديث المرفوع : " عدة المؤمن كأخذ باليد " ، فإما أمير المؤمنين عليه السلام فقال : " إنه يوجب المقت " ، واستشهد عليه بالآية والمقت : البغض . ومنها نهيه عن العجلة ، وكان يقال : أصاب متثبت أو كاد ، وأخطأ عجل أو كاد . وفي المثل : " رب عجلة تهب ريثا " ، وذمها الله تعالى فقال : ( خلق الانسان من عجل ) ( 3 ) . .
--> ( 1 ) في د : لأساءك . ( 2 ) سورة البقرة 264 . ( 3 ) سورة الأنبياء 37